ابن ميمون

262

دلالة الحائرين

كب [ 22 ] المقدمة الثانية والعشرون : ان كل جسم فهو مركب من معنيين ضرورة وتلحقه اعراض ضرورة . اما « 56 » المعنيان المقوّمان له فمادته وصورته ، واما الاعراض اللاحقة له فالكم والشكل والوضع . « 57 »

--> إلى وجود جزأيه ، وجزؤه غيره ، فكل مركب فان وجوده محتاج إلى غيره ، وكل محتاج إلى الغير فإنه يرتفع بارتفاع ذلك الغير وكل ما يرتفع بارتفاع الغير فهو ممكن لذاته ، ينتج فكل مركب فهو ممكن لذاته ، ولا شيء من واجب الوجود لذاته بممكن لذاته ، ينتج فلا شيء من المركب بواجب الوجود لذاته ، فينعكس لا شيء من الواجب بذاته بمركب فكل ما هو واجب الوجود لذاته فذاته وحدة محضة منزهة عن التأليف والتركيب وذلك ما أردنا بيانه . ( 56 ) - اما : ت ج ، واما : ك ( 57 ) ( الشرح ) : اعلم أن المقصود من هذه المقدمة إنما يتضح ببيان مقامين ، أحدهما في تجوهر الأجسام والثاني في عوارض الأجسام ، أما المقام الأول فنقول : اختلف العلماء في تجوهر الجسم على خمسة مذاهب ، وتفصيلها أن الجسم قد يكون مركبا من أجسام مختلفة الطبائع كالأعضاء الآلية ( المركبة ) من المفردة وهي من الأخلاط الأربعة ، وهي من الأركان الأربعة ، وقد يكون بسيطا ، وهو ما لا يكون كذلك لكنه قابل الانقسام ، إما بالفلك والتفصيل أو باختلاف عرضين كما في البلقة أو بالوهم والفرض فالانقسامات الممكنة إما أن تكون حاصلة بالفعل أو بالقوة وعلى التقديرين فاما أن تكون متناهية أو غير متناهية فحصل أربعة أقسام أحدها أن يقال إن هذه الانقسامات حاصلة بالفعل وهي متناهية ، وهذا على قسمين لأن الأجزاء التي بينها تلك الانقسامات المتناهية بالفعل إما أن تكون قابلة للانقسام بالقوة أو لا تكون ، والأول مذهب ديمقراطيس فإنه كان يقول بأن الانقسامات التي نورد على الجسم البسيط حاصلة بالفعل وتنتهى إلى أجزاء لا تقبل الانقسام بالفعل بل بالقوة وهما ، وهي كرية الشكل متماثلة الماهية والحقيقة ، فإذا اجتمعت حصلت الأجسام البسيطة أولا ، ثم عنها المركبات ثانيا ، والثاني مذهب أكثر المتكلمين فان عندهم الجسم مركب من أجزاء هي حاصلة بالفعل وهي متناهية العدد ، وتلك الأجزاء لا تقبل الانقسام بالفعل ولا بالقوة . وثانيها أن تلك الانقسامات حاصلة بالفعل وهي غير متناهية ، وهو مذهب جماعة من المتكلمين ، وهم نفر يسير من المعتزلة . وثالثها أن تلك الانقسامات حاصلة بالقوة وهي متناهية ، وهو مذهب شاذ لا أعرف أحدا ذهب إليه . ورابعها أن تلك الانقسامات بالقوة وهي غير متناهية وهو مذهب المحققين من الحكماء . وإيضاح هذا المذهب ، هو أن الجسم البسيط كماء واحد مثلا هو واحد في الحقيقة كما هو عند الحس إلا أنه قابل للانقسام بالقوة إلى غير النهاية لا بمعنى أنه تحصل اجزاء غير متناهية بالفعل ؛ فان ذلك محال كما سيأتي بل بمعنى أنه لا يرد عليه فصل إلا ويمكن أن يرد عليه فصل آخر ، وكل ما يحصل بالفعل فإنه يكون متناهيا محصورا ، وافهم هذا المعنى منهم كما تفهمه من قولنا الباري قادر على إيجاد أشياء غير متناهية إذ ليس معناه أنه يوجد عددا غير متناه بل معناه أنه لا يصل إلى إيجاد شيء إلا ويمكنه أن يوجد بعده أشياء اخر مع أن كل ما يحصل فإنه يكون متناهيا أبدا ، فكذا الجسم البسيط عندهم قابل للانقسام إلى غير النهاية بمعنى أنه لا يرد عليه فصل إلا ويمكن بعده ورود فصل آخر عليه ، مع أن كل ما يحصل يكون أبدا متناهيا وعددا ومقدارا ، وهذا هو الأصل الّذي يبنى عليه إثبات كون الجسم مركبا من الهيولى والصورة ، فلنذكر ما يدل على تصحيح هذا الرأي فنقول : لا يجوز أن ينتهى الجسم في القسمة إلى أجزاء لا تقبل القسمة أصلا لا بالفعل ولا بالقوة ويدل عليه وجوه :